قال الله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [سورة البقرة:143]
مدح الله عز وجل بهذه الآية الكريمة أمة المصطفى عليه الصلاة والسلام بأن جعلهم أمّة وسطًا، أي خِيارًا عدولاً مزكَّيْن بالعِلم والعمل، فالوسط من كل شىء أعدله، وبالوسطية والاعتدال امتاز ديننا الحنيف عن سائر الأديان الباطلة، لذلك قال الإمام الطحاوي عن الإسلام: (وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل).
أما الغلو فهو التشدد والتصلّب حتى مجاوزة الحدّ، وعليه فالتطرف هو الجنوح فكرًا وسلوكاً إلى أقصى اليمين أو أقصى طرف اليسار، أي إلى الإفراط أو التفريط، وبالرجوع إلى تاريخ التطرف نجد أن من أكبر مظاهر التطرف في العصر الأول فتنة الخوارج الذين كفّروا سيدنا علياً ومعاوية والحكمين وكل من رضي بالتحكيم، ثم بعد ذلك حصلت فتنة المعتزلة القدرية نفاة القدر، ثم فتنة المرجئة القائلين: (لا يضر مع الإيمان ذنب) ثم فتنة الجبرية النافين المشيئة عن العبد المكذبين لقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [سورة التكوير:29]
وهكذا استمرت معاناة المجتمعات الإسلامية عبر العصور مع المتطرفين الغلاة، وعلى الرغم من تأرجحها بين مدّ وجزر، إلا أنهم كانوا – ولله الحمد- أقلّ من القليل وأذلّ من الذليل، منبوذين ملاحقين مرفوضين من جمهور الأمة المحمدية، تلك الأمة التي مدحها رسولها عليه الصلاة والسلام بأنها لا تجتمع على ضلالة.
وإذا نُحِّيَ الماضي جانبًا وبُحثَ في العصر الحديث نجد أنّ ناشئة نشأت في أواخر القرن العشرين تعتنق مذهب الخوارج من جديد كفّروا المسلمين جملةً وإن صلوا وصاموا حاملين ءاياتٍ نزلت في المشركين على أهل التوحيد والإسلام، رافعين قولهم: (من دخل في دعوتنا فلهُ ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل فهو كافرٌ حلال الدم) شعارًا وقانونًا فكفروا الحاكم والمحكوم، بما يشمل أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله، وهذا – وربّ الكعبة- هو التطرف بعينه.
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) رواه مسلم والمتنطعون هم المتشددون في غير موضع التشديد، لذلك فنحن منهيون عن الغلو في شريعة الله، مأمورون بأن نتخذ الشيطان عدوًا، بأن نطيع الله ونؤدي حقوقه وأن نعرف الحق ونسلكه ونعرف الباطل ونتجنب طريقه، كما وأننا مأمورون بالإخلاص في عبادتنا لله والصدق في أقوالنا والأمانة في أعمالنا، نحن مدعوون للتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتعاون على البر والتقوى والتناهي عن الإثم والعدوان هذه هي دعوة الوسطية والاعتدال، إلى هذا يدعوننا ديننا الحنيف دين الإسلام العظيم، وليس من التدين ما يفعله هؤلاء من التخفي وراء مسميات أغرّوا بها العوام لإطلاق الفتاوى يمينًا وشمالاً ولا يوافق بفتواهم شرع الله، إنما يوافقون الرأي والهوى والأفكار الهدّامة.
في ظل ما نراه من تطرف وقتل وتكفير وتفجير باسم الدين، فُرقة واختلاف وتباغض وتناحر، تنفيرٌ وقتل وسفكٌ لدماء أبرياء من قبل من ادّعى ونسب نفسه لدين محمد ﷺ، فما أحوجنا حقًا أن نرجع لتعاليم وهدي ودين محمد ﷺ من سماحة ولين ، وعطف وتأليف وتقريب وعلم وخلق حسن.
وفي ظل ما نشهده في زماننا الحاضر من تنامي ظاهرة التطرف والإرهاب البغيض، حري بنا التذكير بأن الإسلام بريء من التطرف الذي يزرع الفساد والرعب. فلم يكن التطرف يومًا الصحوة التي تحمل معاني التدين الحقيقي.
إن التطرف غريب عن الإسلام والشريعة المحمدية، وظاهرة خطيرة عانت منها المجتمعات، وهو ليس بجديد إلا أن ما نشهده هذه الأيام يشير إلى اشتداد خطره واستفحاله، ويدعو إلى أقصى درجات الاستنفار والوعي والحكمة والموعظة الحسنة، حيث إن التطرف باسم الإسلام ينسجم مع ما يخطط له أعداء الأمّة، ذلك أن ما يقومون به يؤدي إلى الفوضى والمزيد من الضعف وزرع الفتن والأقصى يستصرخ، نعم إنه الواقع المُشاهد، انشغال بقتل الأبرياء والآمنين وحروب باسم الدين وأقصانا يُنتهك من اليهود الغاصبين، ولا صوت يُسمع من المتنطعين المتطرفين فلا حول ولا قوة إلا بالله ربّ العالمين .
فلنقتد بمعلم الناس الخير، حيث ضرب لنا أمثلة رائعة للوسطية والاعتدال، ومن أروعها ما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ قال أحدهم: لا أتزوج وقال الآخر: أصلى ولا أنام، وقال الثالث: أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منّي). ومعناه من كره طريقتي التي جئت بها فليس مني، وليس المعنى حرمة تلك الأفعال التي أرادوها.
وقال العلامة ابن العماد في منظومته:
لم يجعل الله في ذا الدين من حرج لُـطفًــا وجودًا على إحيــا خليقتــه
ومــــــــــــــا التـنـطـع إلا نـزعـة وردت من مكر إبليس فاحذر سوء فتنته
إن تستمــع قوله فيمـــــــا يوسوســه أو نصــح رأي لـــــه ترجــع بخيبتــه
نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ومناصرته، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ومحاربته.